النويري
42
نهاية الأرب في فنون الأدب
ثم رحل في يوم الثلاثاء خامس شهر رمضان ، ودخلها في هذا اليوم والملائكة تحيّيه عن ربّه بتحيّة وإكرام ، وتتلو عليه وعلى جيوشه * ( ادْخُلُوها بِسَلامٍ [ 1 ] ) * * في موكب كأنه نظام الدّرر ، أو روضة كلها زهر ، بل هو - حقا - هالة القمر ، والدنيا قد تاهت به عجبا ، والناس يدعون لسلطان قد شغفوا بدولته حبّا ، ويتعجبون من نضارة ملكه الذي سرّ النواظر ، ويرون أولياءه في فلك إنعامه ، فيقولون : أبدّلت الأرض غير الأرض أو صارت سماء وإلا فما هذا القمر حوله النجوم الزواهر ! وعادت المآتم بدمشق أفراحا وأعراسا ، وربوع الهناء قد عوّضها أمن مقدمه عن الوحشة إيناسا ، والقلعة بآلات حصارها مزينة قائلة : كيف يستباح حماى وأنا بهذا السلطان محصّنة ، وبشهادته [ 2 ] محصنة . هذا والأنهار تساير ركابه وقد صبغت من دماء العدى بأحمر قان ، والأشجار تميل طربا بالهناء كما يميل النشوان بين الأغانى ، والحمام يطرب بحسن الألحان والتغريد ، وقد أقسمت لا تنوح ، وكيف تنوح وقد خضّبت كفّها وطوّقت الجيد ، والناس يقولون : أيا عجبا في أوّل رمضان يكون عيد ، وفى آخره عيد ؟ ! والعزائم للعدى تردى ، وبنصر الله ترتدى ، وتهتز [ 3 ] بردى تقول عند تغريد الحمامة : « يا برد ذاك الذي قالت على كبدي » والأقاليم قد تاهت بسلطانها بهجة وسرورا ، وهام الجوزاء تودّ لو كانت منبرا وسريرا ، والرعايا تقول : هذا الملك الذي حمى الله بعزائمه الدّيار ، وأدار العدى إلى دار البوار ، ووقف لا يبتغى إلا وجه ربه ، وقابل اليوم بنفسه وبكتائبه ، وناضل الأمس بكتبه ، والله لدعائهم سامع ومجيب ، ومكافئه بكل فتح مبين ونصر قريب .
--> [ 1 ] سورة الحجر آية 46 . [ 2 ] كذا في ص ، وف . وفى السلوك 1 : 1034 « بسعادته » . [ 3 ] في ص ، وف ، والسلوك 1 : 1034 « ونهر » .